دم المماليك (2).. أيبك وشجرالدر.. سباق إلى حافة القبر

أبريل 1257م – القاهرة – قلعة الجبل:

عبثا حاول أيبك مقاومة تلك الذراع العضلية الملتفة حول عنقه، رغم أنها لخصي أثر ما فقده في صوته، فأكسبه نعومة نسائية وكسى جسده ترهلا كما للنساء، إلا أن قوة هرقلية حلت بالذراع، فصارت كسلسلة سميكة ثبتت ضحيتها أرضا في وضع المصلوب.. ثلاثة خصيان آخرون جثم أحدهم على صدره وفشخ الآخران ساقا السلطان المغدور.. نظر باستجداء يائس إلى زوجه شجرالدر الواقفة ترمق المشهد البشع وقد أخذ صدرها يعلو ويهبط بسرعة الإثارة.. ندت عنها حركة تنم على نية التراجع عن الفعل الرهيب الذي انتوته، فصاح بها خامس الخصيان المدعو محسن الجوجري: “لا! ما هذا وقت التراجع! ومتى أبقينا عليه لا يبقي علينا ولا عليك!”

تأكد الجوجري من إحكام إغلاق باب الحمام، ثم دنى من ضحيته الملكية وقد علت وجهه اللحيم ابتسامة استمتاع بما يفعل.

“معلوم أن مولانا السلطان بعدما قتل منافسه أقطاي وقمع المخامرين عليه من المماليك وأدّب عربان الصعيد وأسكت الغاغة والزعران، ما كان ينتظر لنفسه هكذا ميتة”.. قالها وهو يجثو على ركبتيه بين ساقي أيبك مشمرا ذراعه.

“ستنا السلطانة قالت بلا دم.. حتى يشهد الأمراء بعد ذلك جثة مولانا الذي لاقى أمر الله في الحمام قضاء وقدرا.. وما على العبد إلا طاعة مولاته.. لماذا لم تطع مولاتك يا.. مولانا.. كنت لتعمر أطول من هذا”

“محسن!” صيحة متوترة من شجرالدر قطعت حديثه الاستعراضي: “خلصنا وإعمل شغلك!”

“أمر مولاتي”، ثم التفت لأيبك مجددا: “يمكنك أن تحسدني في لحظاتك الأخيرة، فمنذ قطعوا بلحتي نخلتي، ما عدت أذكر ألم البلحتين وهما تطحنان.. ألم يذكر صاحبه أنه يملك علامة الرجولة في جسده.. فلعل فيه بعض العزاء لك يا فحل الملوك”

ارتعادة أيبك وهو يحس يد الخصي تقبض خصيتيه، تحولت إلى تشنجات رهيبة وهو يشعر القبضة تسحق ذكورته بلا رحمة.. الألم تصاعد عبر الفخذين والجذع إلى رأسه فأزاغ بصره بالغا حدا جعله يحاول قرع مؤخرة رأسه بالأرض ليعجل بالنهاية ويستريح.. الألم يجتاح العالم من حوله فيوقف حواسه ويركز كل إحساسه بجسده بين ساقيه.. لم يعد يشعر ببرودة الرخام تحت ظهره العاري، ولا بأطرافه المتشنجة في رقصة أخيرة.. خرجت نقوش السقف المزخرف من نطاق رؤيته.. يحس فقط بالعاصفة تضرب أحشاءه ثم تنقشع والنور الطفيف في نهاية النفق الضيق يتعاظم ليبتلع الأفق.

……….

“وبعثت شجرالدر في تلك الليلة إصبع المعز وخاتمه إلى الأمير عزالدين الحلبي الكبير وقالت له: “قم بالأمر” فلم يجسر، وأشيع أن المعز مات فجأة في الليل، وأقاموا الصائح في القلعة، فلم تصدق مماليكه بذلك، وقام الأمير علم الدين سنجر-وهو يومئذ شوكة المماليك البحرية وشديدهم- وبادر هو والمماليك إلى الدور السلطانية وقبضوا على الخدام والحريم وعاقبوهم، فأقروا بما جرى، فعندئذ قبضوا على شجر الدر ومحسن الجرجاوي”

السلوك لمعرفة دول الملوك – المقريزي

……….

“فلما مات المعز أيبك، حملوه وأخرجوه من الحمام، وأشاعوا أنه أغمى عليه من الحمام، فأرقدوه على فراش في الحمام.

فلما أصبح الصباح، أشيع بين الناس موته، فركب ابنه الأمير علي، والمماليك المعزية، وطلعوا إلى القلعة، فغسلوا الملك المعز، وكفّنوه، وصلوا عليه، ودفنوه بالقرافة الصغرى.

ثم إن الأمير علي قبض على شجرالدر وسلمها إلى أمه…”

بدائع الزهور في وقائع الدهور – ابن إياس

……….

نفس الشهر.. القاهرة.. سكن السيدة أم علي أرملة المعز أيبك وأم السلطان المنصور علي بن أيبك:

بعد دعاء المنابر لسلطانة المسلمين، المستعصمية، أم خليل، شجرالدر صاحبة المرحوم الصالح نجم الدين أيوب، عصمة الدنيا والدين، صار موكبها تحفه أفحش ألفاظ السباب والدعاء بالويل وهي تجر جرا مهينا من محبسها في البرج الأحمر بالقلعة إلى دار أم علي أرملة المعز أيبك، وقد جردت من ثيابها الملكية وعصمة جسدها من لمسة فاحشة هنا ولطمة متشفية هناك.. ساقتها جارية عملاقة فظة من جواري أم علي بحبل من عنقها إلى حضرة سيدتها وقد أحاطت بها كوكبة من النسوان الشلق وقد أشهرت كل منهن قبقابا خشبيا منذرا بالويل.

على عرش مرتجل جلست الأرملة المتشحة بالسواد والانتقام ترمق الجسد العاري لفريستها الأرمينية التي نقلتها يد القدر من واحدة من جواري الصالح نجم الدين إلى كرسي السلطنة، ثم هوت بها لتقف مهتوكة المظهر والجوهر عاجزة تنتظر مصيرها.

فرقة الإعدام النسائية شكّلت حلقة حول السلطانة المخلوعة، ينتظرن الأمر من سيدتهن.. لم تطل هذه الانتظار، فأومأت برأسها.

هوت أول ضربة قبقاب على الأنف الجميل فهشمته، حاولت شجرالدر التماسك، لكن ضربة تالية على مؤخرة عنقها أجبرتها على السقوط راكعة.. جذبتها يد فظة لتقف مجددا.. وقبل أن تهوي الضربة الثالثة أشارت أم علي للجواري والنسوان اللاتي جلبتهن، وقالت مصوبة إلى غريمتها نظرة بعينين لا تطرفان: “الرأس والعنق.. ليس الآن.. الضلوع أيضا تجنبنها حتى أعطيكن الإذن.. أريد لهذه الرقصة أن تستمر لأطول وقت يستطيع هذا الجسد القحب تحمله.. لا تجعلن الموت هدية رخيصة”.

ثم وجهت الحديث لضحيتها: “اشترطت عليه طلاقي ليتزوجك ويصبح سلطانا.. أمرتيه بهجر ابنه، لم يكفك هذا فقتلتيه لمجرد علمك أنه أعادني لعصمته.. كان لك السلطان واللقب والجاه، ولم أكن أطلب سوى مملكة بيتي، فأين ذهب بك بطر النعمة؟”

أشارت لجواريها، فأكملت الجوقة عزف القباقيب على الجسد البض.. استرخت أم علي في مقعدها وهي تجيل النظر في الجسد المحاصر بالآلام، تريد أن ترشف كأس عذابات خصمتها لآخر قطرة، ينبغي ألا تفوتها نقطة دم أو  مزعة لحم، طائر الانتقام يصيح في رأسها أن اسقوني اسقوني! يصك أذنيها صوت عظم يتكسر، تنظر لها جاريتها العملاقة، فتوميء لها أن لا بأس، فتشير هذه بدورها للجواري، تتوحش الضربات، تغمض الأرملة عيناها متيحة لأذنيها المشاركة في متعة الانصات لأغنية الموت الأليم.

البعض تحدث بعد ذلك عن قيام أم علي بقطع ثديي شجرالدر وتمزيقهما لقطع صغيرة ثم طبخها مع الأكلة المعروفة حاليا بـ “أم علي”، وأن الزبيب قد حل بعد ذلك محل الأثداء.. لا يوجد ما يؤكد تلك المعلومة الرهيبة، وعلى أية حال فالأمر كله بشع بما يكفي.

……….

“فلما ماتت سحبوها من رجلها وأرموها في الخندق الذي وراء القلعة، وهي عريانة ليس في وسطها غير اللباس فقط، فاستمرت مرمية في الخندق ثلاثة أيام لم تدفن، وقيل إن بعض الحرافيش نزل تحت الليل إلى الخندق وقطع تكة لباسها وكانت فيه أكرة لؤلؤة ونافجة مسك، فسبحان من يعز ويذل”

بدائع الزهور في وقائع الدهور- ابن إياس

……….

“ثم دفنت بعد أيام وقد نتنت، وحُملت في قفة بتربتها قرّيب المشهد النفيسي، وكانت من قوة نفسها لما علمت أنها قد أحيط بها أتلفت شيئا كثيرا من الجواهر واللآلي كسرته في الهاون.

وصلب محسن الجوجري على باب القلعة ووسط تحت القلعة أربعون طواشيا وصلبوا من القلعة إلى باب زويلة، وقبض على الصاحب بهاء الدين بن حنا لكونه وزير شجرالدر” (التوسيط:إعدام بقطع الجسم نصفين من تحت السرة)

السلوك لمعرفة دول الملوك – المقريزي

……….

عزالدين أيبك وشجرالدر، الشريكان والغريمان.. المتأمل في سيرة كل منهما يدرك تشابها شديدا، فمن بين من حكموا مصر من الرجال لم تخدم الأقدار إنسانا فترفعه من موضع غير مرتفع إلى ذروة السلطة ثم مكرت به فأطاحته عنها بشكل مهين مثلما كان مع أيبك.. وبين من حكمن من النساء لم تكن حياة إحداهن حافلة بالارتفاع بعد صغر الشأن ثم القذف من عل مثلما كان مع شجرالدر..

فعزالدين أيبك لم يكن أكبر الأمراء المماليك ولا أقواهم ولا أكثرهم أتباعا، وإنما كان يشغل منصب “الجاشنكير” -وهو من يتذوق طعام وشراب السلطان قبله لكيلا يكون مسموما- ثم تدرج في المراتب حتى صار من كبار أمراء السلطان الأيوبي قبل الأخير نجم الدين أيوب، وبعد وفاة هذا الأخير واغتيال ابنه توران شاه -بسبب تآمره على مماليك أبيه- لم يكن من مؤهل له لتولي السلطنة باختيار شجرالدر له زوجا لها، إلا كونه غير قوي الشوكة مما يسهل عزله لو خرج عن الخط المرسوم له.

إلا أن أيبك لم يكن بهذا الضعف الذي حسبوه، فسرعان ما كوّن فرقة المماليك المعزية -نسبة للقبه المعز- وجعل قطز ساعده الأيمن، وبادر بالتخلص من خصومه، فدبر بالتعاون مع قطز عملية اغتيال سريعة لفارس الدين أقطاي -المنافس الأكثر شراسة لأيبك- وبادر بتشريد  واعتقال وقتل المماليك البحرية المتمردون عليه، والغاضبون لقتل أقطاي، وكان قد أخمد قبلها ثورة عرب الصعيد الذين أنفوا من أن يحكمهم رجل مسه الرق -وقد كان هذا حال كل المصريين إلا أن العرب وحدهم تحركوا إيجابيا وأشعلوا ثورة مسلحة- فخرجوا عليه بقيادة قبيلة الجعافرة وعلى رأسهم الشريف حصن الدين بن ثعلب، ثم التفت لمنافسه الأيوبي حاكم الشام الناصر يوسف وحاربه بالسيف تارة وبالمراوغة تارة حتى قهره، وتخلص من شريكه الصوري في الحكم الأمير موسى بن نجم الدين أيوب فخلعه وانفرد بالحكم.. وهكذا لم يعد بينه وبين الانفراد بالسلطة سوى شجرالدر المتسلطة عليه والتي كانت تعيّره قائلة: “لولاي ما كنت تصبح سلطانا” وتجبره على مفارقة زوجته وابنه علي.

وأما شجرالدر فكانت جارية أرمينية في حريم السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب، فقربها إليه، واعتقها -بحكم انجابها ابنه خليل كما يقر الشرع بشأن الإماء- وجعلها شريكته في الحكم، وصارت كنيتها “أم خليل” رغم وفاة هذا الأخير صغيرا.

وعندما اشتد المرض بالسلطان ووافاه الأجل، أدارت شجرالدر -المعروفة بالعقل والدهاء والثبات- العمليات العسكرية ضد جيش الفرنسيين بقيادة لويس التاسع، واستطاعت مملكة مصر تحت حكمها أن تسحق الغزاة، وأرسلت تستدعي توران شاه ابن زوجها ليتولى السلطة، إلا أنه تنكر لها ولمماليك أبيه، فاغتالوه، واتفقوا على سلطنة شجرالدر، لكن الشعب ثار ضد حكم المرأة، وقام الفقهاء بقيادة شيخ الإسلام العز بن عبد السلام بالتحريض على الرفض، وأرسل الخليفة من بغداد يقول: “إذا كانت الرجال لديكم قد عدمت، فأخبرونا نسّير لكم رجلا”، وأطلت أطماع أمراء بني أيوب في الشام برؤوسها.

فاضطرت شجرالدر لأخذ خطوة مراوغة، وتزوجت من أيبك وتنازلت له رسميا عن الحكم، وبهذا أسكتت أصوات الثورة على حكم النساء، وإن لم تسكت عن حكم العبيد، وأجبرت أيبك أن يشركها في كل شئون الحكم، وأن يطلق زوجته ويهجر ابنه، وبهذا صارت تمسك بمقاليد الحكم، ولم يعد يؤرقها سوى أيبك الذي بدأ يتنمر على شروطها متسلحا بتخلصه من خصومه.

كانت المواجهة بينهما حتمية إذن.. وكان على أحدهما أن يتخلص من الآخر.

وبالفعل كانت الساعات الأخيرة في صراعهما حاسمة، فعندما كان أيبك معتزلا شجرالدر في بيته في منطقة “مناظر اللوق”، كان يخطط للتخلص من شريكته المتجبرة، بينما كانت تلك الأخيرة ترسل له أحد القضاة رسولا للصلح، وابتلع أيبك الطعم وصعد إلى القلعة، فقبّلت يده وبات عندها، ثم دخل إلى حمامه الأخير.

كان هذا انتصارا أخيرا لشجرالدر، وبالتأكيد فإن أيبك كان -قبل اغتياله-يحسب أنه قد انتصر واستطاع تطويع منافسته الشرسة.. انتصارا أخيرا كان هذا له إذن.

لم يكن يعلم أن قبلة شجرالدر على يده هي قبلة الوداع، ولم تكن تعلم أن شهقة غريمها في احتضاره، هي نفير إيذان حياتها الحافلة بالانتهاء بشكل دام.

تسابقا إذن إلى حافة القبر، كلاهما انتصر وانهزم.. وجاء للقلعة سيد آخر هو المنتصر الحقيقي..أو كما يقول سعد مكاوي في روايته “السائرون نياما” عن انقلابات المماليك “هذا الصباح يكنسنا معا”.

وعلى ذكر هذا السيد الجديد.. المنتصر الحقيقي، فإن مجرى الأمور يشير إلى أن مسألة اغتيال أيبك ثم مقتل شجرالدر، وتوالي الأحداث بهذا الإيقاع السريع، وراءه يد خفية.

فلماذا لا نبحث في شأن هذه النظرية؟

(يتبع)

محتويات الموضوع