قصة أذكى رجل في العالم الذي فاق آينشتاين ذكاءً ومات فاشلًا

 اذكي رجل فى التاريخ

كتب جون دونوفان، كاتب حر يغطي العلوم والصحة والتاريخ والشؤون العامة، مقالًا نشره موقع «هاو ستاف ووركس» (HowStuffWorks) عن حياة ويليام جيمس سيديس الذي وصِف بأنه أذكى رجل في العالم، وكيف سارت حياته في منعرجات غير متوقعة. ويناقش الكاتب على هامش القصة كيفية رعاية الموهوبين ومدى تأثير الوالدين في تربيتهم.

 

قصة الطفل المعجزة

وفي مطلع مقاله، يشير الكاتب إلى أن القصة تفيد أنه عندما بلغ ويليام (بيلي) سيديس الثالثة من عمره وكان لم يتجاوزها، علَّم نفسه لغةً أجنبيةً هي اللغة اللاتينية. وعندما كان في السادسة من عمره، أضاف الروسية والفرنسية والألمانية والعبرية والأرمنية والتركية إلى سيرته الذاتية اللغوية الطويلة – كما تقول القصة – إلى جانب اللاتينية ولغته الأم؛ الإنجليزية.

كانت والدته سارة، وهي طبيبة، تقرأ له الأساطير اليونانية بوصفها قصص ما قبل النوم. وكان والده، بوريس، النجم الصاعد في مجال علم النفس الناشئ، قد جنَّب بيلي الصغير النشاط البدني، وبدلًا من ذلك أشركَ ابنه في مناقشات بشأن علم النفس وجميع أنواع المساعي الأكاديمية الأخرى.

وتخرج بيلي، الذي كان يحمل معه مجلدًا من أعمال شكسبير عندما دخل الصف الأول، من المدرسة الابتدائية في سبعة أشهر. وبين سن السادسة والثامنة كتب أربعة كتب على الأقل. وفي الثامنة، اجتاز كلًّا من امتحان التشريح في كلية الطب بجامعة «هارفارد» وامتحان القبول للدخول إلى معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا. وكان معدل ذكائه يرتفع بين 50 و100 نقطة عن معدل ذكاء ألبرت آينشتاين.

ربما كان وليام جيمس سيديس، كما أشارت الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية في عام 2011، أذكى رجل على الإطلاق.


سيديس نموذجًا لدراسات الموهوبين

يقول مايكل ماثيوز، أستاذ تعليم الموهوبين في جامعة «نورث كارولينا» في شارلوت ورئيس التحرير المشارك لمجلة فصلية الأطفال الموهوبين (Gifted Child Quarterly)، المجلة العلمية الأولى للجمعية الوطنية للأطفال الموهوبين: «إنه ذلك المثال الذي يُذكر في كثير من كتب النصوص المدرسية وغيرها في مجال تعليم الموهوبين. إنهم يتحدثون عنه نوعًا ما بوصفه مثالًا لطالبٍ ذي إمكانات كثيرة، لكنه لم يرقَ إلى مستوى تلك الإمكانات.

وفي سياق تلك الحقبة من التاريخ، وبسبب الدعاية المحيطة به على وجه الخصوص، كان جزء من السبب الذي جعل الناس لديهم تصور أن الطلاب الذين يكونون لامعين جدًّا في سن مبكرة، قالوا (إن الثمرة التي تنضج مبكرًا، يدب في أوصالها العطب مبكرًا). وكان هذا هو تعبيرهم».

وكما اتضح، وعلى الرغم من كل ذكائه وكل إنجازاته المبكرة، فإن الرجل الأذكى عاش حياةً مضطربة في كثير من الأحيان وقصيرةً جدًّا. إنها حياة قد تكون بمثابة حكاية تحذيرية لأولئك الذين يتمتعون بموهبة أكاديمية عالية، وأولئك الذين يدخلون ويخرجون من هذه الدائرة الخاصة جدًّا.


من هو ويليام جيمس سيديس؟

وأفاد الكاتب أن ويليام جيمس سيديس، وهو ابن لاثنين من اليهود الأوكرانيين اللَّذين هاجرا إلى أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر، وُلِد في نيويورك في يوم كذبة أبريل عام 1898. وقد سُمِّي على اسم أحد أصدقاء والده وزملائه، الفيلسوف ويليام جيمس، الذي ابتكر فكرة «تيار الفكر».

آمن بوريس وسارة، وكلاهما من المثقفين على الرغم من صعوبة تربيتهما، بمعاملة ابنهما بوصفه شخصًا بالغًا. وعلى الرغم من أنه بقيامهما بذلك اتُّهما لاحقًا بحرمان ابنهما من طفولة طبيعية. وأصرَّا على أن كل ما فعله بيلي، إنما فعله سعيًا وراء المعرفة.

كان الوالدان يشتركان في فلسفة: إعطاء ابنهما الأدوات لكي يفكر ويجادل ويتعلم.

وفي كتاب «الطفل المعجزة: سيرة ويليام جيمس سيديس»، تقتبس المؤلفة آمي والاس – التي وصفت والديه بالإلحاح والعدوانية – عن بوريس قوله:

«قبل أن يتكلم الطفل، يكون عقله موجودًا، إنها أداة يمكن شحذها إذا كان والداه دائمًا عقلانيين وصادقين ومنطقيين معه. والعقول تُبنى بالاستخدام. ولا تُبنى العضلات بالاستلقاء على السرير. شجِّع طفلنا هذا على التفكير، والسير في كل طريق تمليه خيالاته طالما أنه مهتم. وأجِب عن جميع أسئلته بقدر ما تستطيع وطالما ظل يسأل».

وعندما كان بيلي يتقدم في المدرسة الابتدائية إلى المدرسة الثانوية – أنهى أربع سنوات من الدراسة في المدرسة الثانوية في ستة أسابيع – بدأت الصحافة في ملاحظة ذلك. وبحلول عام 1909، عندما التحق بجامعة «هارفارد» في الحادية عشر من عمره، كان موضع ضجة كبيرة في وسائل الإعلام. وخلال معظم حياته الشابة، ومع وجود بعض الثغرات هنا وهناك، كانت الصحافة تتابعه عن كثب، وهو الأمر الذي كان يمقته بيلي. وقالت والاس للإذاعة الوطنية الأمريكية في عام 2011: «لقد أصبح اسمًا مألوفًا، وكان يكره ذلك».


جداول لوغاريتمية

ولفت الكاتب إلى أن ويليام – الذي كان يُدعى بهذا الاسم بمجرد دخوله جامعة «هارفارد» – أظهر إتقانًا مبكرًا للغات، لكنه أصبح فيما بعد عبقريًّا حقيقيًّا في الرياضيات أيضًا؛ إذ ابتكر سلسلةً من الجداول اللوغاريتمية. وألقى محاضرته الأولى، في وجود أعضاء هيئة التدريس بجامعة «هارفارد»، في عام 1910، وكان لا يزال في الحادية عشر من عمره.

وفي نهاية المحاضرة، أُفسِح المجال أمام الأساتذة لطرح الأسئلة. وعندما حاول أحدهم توضيح إحدى نقاط ويليام، رد الصبي الذي لم يبلغ بعد سن المراهقة: «لا أستطيع أن أرى أنك أضفت أي شيء إلى المناقشة».

وعلى الرغم من هذا النضج المبكر في بعض الأحيان، كان من الواضح للأكاديميين أن ويليام كان معجزةً حقيقيةً. وكان أستاذ الفيزياء بمعهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا دانيال إف كومستوك من بين أولئك الذين اندهشوا.

وبحسب السيرة التي كتبتها آمي والاس، قال كومستوك: «إن طريقته في التفكير طريقة عقل حقيقي يفكر. إنها ليست تلقائية. إنه لا يحشو رأسه بالحقائق، بل يفكر. أتوقع أن يكون سيديس الشاب عالم رياضيات فلكية عظيمًا. وسوف يطور نظريات جديدة ويبتكر طرقًا جديدة لحساب الظواهر الفلكية. وأعتقد أنه سيكون عالم رياضيات عظيمًا، الرائد في هذا العلم في المستقبل».

لكن مستقبل ويليام سار في منعطفات لم يتوقعها أحد.


العيش مع عبقريته

وأكد الكاتب على أن الحياة لم تكن سهلة في «هارفارد». وعلى الرغم من أن واجباته المدرسية كانت لا جدال فيها، إلا أن ويليام فشل فشلًا ذريعًا خارج الفصل الدراسي. ولم يكن لديه أي اهتمام بالفتيات أو بأي جانب من جوانب الحياة الاجتماعية، وغالبًا ما سخر منه زملاؤه الأكبر سنًا. ومع ذلك، تخرج بامتياز عام 1914. وكان عمره 16 عامًا.

وبعد مدة زمنية وجيزة، انتقل إلى الغرب للعمل على درجة في الدراسات العليا في ما يعرف الآن بجامعة «رايس» في هيوستن. ودرَّس عدة فصول أيضًا، لكنه استمر أقل من عام هناك قبل أن يعود إلى بوسطن. والتحق بكلية الحقوق بجامعة «هارفارد»، رغم أنه لم يحصل أبدًا على شهادة في القانون.

وفي عام 1919، كان يكافح من أجل التكيف مع الحياة خارج البيئة الأكاديمية، واعتُقل وحُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا لدوره في مظاهرة اشتراكية في بوسطن. وحال بوريس دون وضعه في السجن بحبسه في مصحة لمدة عام في نيو هامبشاير. وبعد إطلاق سراحه، وبعد قضاء عام في كاليفورنيا، عاد ويليام إلى الساحل الشرقي؛ حيث عمل لسنوات في سلسلة من الوظائف غير الملهمة، وكتابة مخطوطات كان ينشرها بنفسه مع التدريس بوصفه عملًا جانبيًّا.


الثقوب السوداء

يضيف الكاتب أنه في عام 1925، تم نشر أشهر أعماله، «الحي والجماد» دون ضجة كبيرة. يقول الناشر إن الكتاب يلامس «أصول الحياة، وعلم الكونيات، وإمكانية عكس القانون الثاني من خلال شيطان ماكسويل، من بين أشياء أخرى». وفي الكتاب، يشير ويليام إلى وجود ما يعرف الآن بالثقوب السوداء.

وبحلول ذلك الوقت، وعلى الرغم من ذلك، كانت وسائل الإعلام قد أعلنت أن الصبي الذي كان يومًا ما عبقريًّا أصبح مفلسًا. بل تراجعت مكانته أكثر في أنظار الجمهور.

وتوفي ويليام جيمس سيديس إثر إصابته بنزيف في المخ عام 1944، وكان يبلغ من العمر 46 عامًا.


تحديات أذكى رجل في العالم!

يوضح الكاتب أن ويليام سيديس يظل أول دراسة حالة عن طفل معجزة «فاشل». وعلى مر السنين، وجَّه خبراء التعليم ووسائل الإعلام وأولياء أمور غير الموهوبين أصابع الاتهام إلى بوريس وسارة لأنهما كانا لحوحين للغاية، وقلقين للغاية بشأن الإنجاز الأكاديمي لابنهما، وغير مكترثين بدرجة كافية بشأن إنجاب طفل متوازن ومكتمل من جميع الجوانب. ولا تزال قصة ويليام تغذي الجدل بشأن كيفية تربية الطفل الموهوب، وهل الموهبة شيء موروث – كما كان يعتقد بوريس وسارة – أم إنها تتأثر أكثر بالبيئة.

وبحثت الدراسات الأكاديمية الرئيسة في الأطفال المعجزة، وكيف يتصرفون في وقتٍ لاحقٍ من حياتهم. وبدأت إحدى الدراسات المشهورة، وهي دراسة تيرمان للموهوبين (المعروفة أصلًا باسم الدراسات الجينية للعبقرية)، في عام 1921 على يد عالم النفس بجامعة «ستانفورد» لويس تيرمان. وتابعت الدراسة أكثر من 1500 طالب لأكثر من 80 عامًا.

تعرَّضت دراسة تيرمان لانتقادات من قِبل كثيرين على مر السنين. لكن نتائجها، إلى حدٍّ كبيرٍ، لا تزال صامدة، ولا يزال علماء الاجتماع يستخدمون بياناتها اليوم. يقول ماثيوز: «عمل تيرمان، الذي يتابع هؤلاء الأشخاص لأكثر من 50 عامًا، وحتى بعد نهاية حياتهم، أظهر أن معظم (الأطفال المعجزة) في الواقع تبين أنهم متكيِّفون بوصفهم بالغين ويتَّسمون بالنجاح».

وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام هذه الأيام لا يبدو أنها تتابع الأطفال العباقرة بالطريقة التي فعلت بها ذلك مع ويليام في الجزء الأول من القرن العشرين؛ فإن هناك استثناءات، مثل أخوات بولجار الثلاث، معجزات الشطرنج المجرية، ليظل الانبهار بالذكاء الشديد والموهبة الكبيرة والشباب الصغير للغاية قائمًا. وهذا أحد أسباب وجود جمعية وطنية للأطفال الموهوبين.


تعريف الموهوب

يختلف تعريف الموهوبين، والجوانب الأكثر تكرارًا للإشارة إلى موهبة، وفقًا لتقرير وضع الولايات في تقرير تعليم الموهوبين، هي «القدرة الفكرية المتقدمة، والإبداع أو التفكير الإبداعي، والقدرة الأكاديمية المحددة». وكلمة «الموهوب» نفسها يجرى إعادة تقييمها أيضًا، لأنها قد تشير إلى سِمة «مُوروثة» بدلًا من سِمة مكتسبة.

واختتم الكاتب مقاله بقول ماثيوز: «أعتقد أن الاهتمام جزئيًّا هو اهتمام بالتنشئة الأبوية. وأعتقد أن الناس يشككون في الآباء أحيانًا لأن الأطفال يحققون نجاحًا كبيرًا. وهذا أمر مؤسف، لأنه في معظم الأوقات يبدو أنه يبدأ باهتمام الطفل، وليس لأن الوالدين يدفعان الأطفال بقوة. والأطفال الذين يتمتعون بقدرات عالية في مجالات أخرى – على سبيل المثال، الرياضة البدنية – يجب أن تكون والدًا مشاركًا حقًّا إذا كان طفلك سيحقق إنجازًا على مستوى النخبة، أشياء مثل رياضي أوليمبي. وتصبح وظيفة بدوام كامل أن ترتقي بموهبة ذلك الطفل إلى المستوى الذي يمكِّنه من المنافسة في الألعاب الأولمبية. إنه ليس شيئًا يحدث من تلقاء نفسه».

ويضيف: «لكنني أعتقد أن الناس، عندما تكون الموهبة موجودة في مجال أكاديمي، يكون الناس في بعض الأحيان أكثر ريبة».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

محتويات الموضوع